Dr. Mohamed Hemida

مشكلتنا ليست في المتعلّم… بل في المنهج الذي لا يمنحه فرصة الكلام

مقدمة

نسمع كثيرًا شكاوى من نوع: «الدارسون لا يتكلمون»، «لا يوجد تفاعل»، «الطلاب يعرفون القواعد لكن لا يستطيعون التواصل». وغالبًا ما تُلقى مسؤولية هذا الإخفاق على المتعلم: ضعف الدافعية، الخجل، أو قلة الممارسة خارج الصف. لكن الحقيقة أبسط وأكثر إيلامًا: المشكلة ليست في المتعلم في الغالب، بل في المنهج وطريقة التدريس.

المنهج التقليدي الذي يُقدّم العربية بوصفها «مادة معرفية» يغلق الباب أمام الاستخدام الحقيقي للغة؛ لأنه يضع المتعلم في موقع المتلقي الذي يجيب عن أسئلة، لا في موقع المتكلم الذي يصنع معنى ويؤدي وظيفة.

 

أولًا: لماذا يصمت المتعلّم في صف العربية؟

الصمت في صف اللغة ليس دائمًا «ضعف شخصية»، بل غالبًا نتيجة لمعادلة خاطئة:

  • كثرة شرح + قلة تدريب
  • تفصيل قواعد + غياب وظيفة
  • تصحيح مبالغ فيه + خوف من الخطأ

حين يشعر المتعلم أن كل كلمة ستُفحَص نحويًا، وأن الخطأ سيُسجَّل عليه، فإن الصمت يصبح استراتيجية دفاعية. لذلك فإننا—من حيث لا نشعر—نُكافئ الصمت ونُعاقب المحاولة.

 

ثانيًا: المنهج التقليدي يصنع متعلمًا «يعرف» ولا «يستخدم»

منهج القواعد والمفردات المنفصلة ينتج نموذجًا معروفًا:

  • المتعلم يستطيع أن يشرح الفرق بين المبتدأ والخبر.
  • لكنه لا يستطيع أن يطلب خدمة في مطعم.
  • يعرف معنى عشرات الكلمات.
  • لكنه لا يستطيع صياغة جملة طبيعية في موقف يومي.

هذه ليست «مشكلة متعلم»، بل نتيجة طبيعية لمحتوى لا يتصل بالاستخدام.

اللغة ليست كتابًا في النحو، بل سلوكًا اجتماعيًا. ومن ثم فإن المنهج الذي لا يحول اللغة إلى «سلوك تواصلي» لا يمكنه أن ينتج متحدثًا.

 

ثالثًا: أين الخلل في تصميم الدرس؟

الخلل غالبًا ليس في «نية المعلم»، بل في بنية الدرس نفسها.

هناك 3 أنماط شائعة تقتل الكلام:

 

الدرس الذي ينتهي عند الشرح

يبدأ بشرح القاعدة ويستغرق 70% من الوقت، ثم تمرينين في النهاية.

الدرس الذي يجعل «التحدث» مكافأة

يُؤجّل الكلام إلى آخر الحصة إن بقي وقت.

الدرس الذي يساوي بين «التحدث» و«الإجابة»

المتعلم لا يتكلم إلا حين يُسأل. لا يصنع حوارًا، ولا يفاوض معنى، ولا يختار.

 

رابعًا: ما البديل؟ «المنهج التواصلي القائم على المهمة»

الحل ليس شعارًا، بل تحويل الدرس من شرح إلى مهمة.

جوهر التعليم التواصلي:

  1. اللغة تُقدّم داخل موقف واقعي
  2. المتعلم يؤدي مهمة لها هدف واضح
  3. المعلم يضبط اللغة ويعالج الخطأ دون كسر الثقة

مثال بسيط:

بدل درس «كان وأخواتها»، نقول:

احكِ لي كيف كانت حياتك في بلدك، وكيف أصبحت الآن.

هنا تظهر «كان» في سياق طبيعي، وتصبح أداة للتواصل لا موضوعًا للتلقين.

 

خامسًا: كيف نخلق «فرصة الكلام»؟

إليك أربع قواعد عملية:

اجعل الكلام هو النشاط لا الخاتمة

الكلام يجب أن يكون في منتصف الدرس وبنهاية الدرس، لا فقط آخره.

صمّم أنشطة تولّد اللغة

الأسئلة المغلقة لا تولد كلامًا.

نحتاج إلى:

  • لعب أدوار
  • حل مشكلات
  • وصف صور
  • محاكاة مواقف

خفف الخوف من الخطأ

التصحيح المفرط يصنع صمتًا.

التصحيح الذكي يركز على:

  • الخطأ الذي يغير المعنى.
  • الخطأ المتكرر.
  • ترك تفاصيل ثانوية للمراحل التالية.

أعط المتعلم «نصًا نموذجيًا»

المتعلم يحتاج «نماذج لغوية» كي يقلدها ثم يبدع.

اللغة لا تُخلق من فراغ.

خاتمة

إذا أردنا أن يتحدث المتعلم، فعلينا أن نُصلح ما نصنعه داخل الصف:

المنهج الذي لا يفتح باب الأداء لن ينتج أداءً، والدرس الذي لا يخصص للكلام وقتًا كافيًا لن يصنع متحدثًا.

المتعلم يتغير عندما نغير تصميم التعلم.

إن أهم سؤال في درس العربية ليس: ماذا شرحت؟ بل: ماذا قال المتعلم؟

 

 

 

Contact Info

Quick Contact

    © 2025. All rights reserved Dr. Mohamed Hemida Abdelaziz